هناك أشياء تمر بها السنوات دون أن تنجح في انتزاعها من قلوبنا، وكرة القدم واحدة منها. قد تتغير ملامحنا، وتزداد مسؤولياتنا، وتمضي الأيام مسرعة، لكن شيئًا صغيرًا يظل مختبئًا في أعماقنا، ينتظر لحظةً بعينها حتى يستيقظ من جديد. وما إن يخوض منتخب مصر مباراة، حتى يعود ذلك الطفل الذي ظننا أنه كبر منذ زمن.
لكل واحدٍ منا حكاية مع الكرة. حكاية بدأت في شارعٍ ضيق، أو في فناء مدرسة، أو في قطعة أرضٍ ترابية كنا نراها أكبر ملعب في العالم. كانت الحجارة تتحول إلى مرميين، وكان الرصيف خط التماس، وكانت نهاية المباراة يعلنها أذان المغرب أو صوت الأم وهي تنادي من الشرفة. لم نكن نملك الكثير، لكننا كنا نملك خيالًا واسعًا جعل من كل مباراة نهائيًا لكأس العالم.
ثم كبرنا قليلًا، وأصبحت مباريات منتخب مصر موعدًا ثابتًا في كل بيت. قبل صافرة البداية بدقائق، كانت الحياة تتباطأ. الجميع يقترب من الشاشة، والأحاديث تنتهي سريعًا، والأنظار تتعلق بالمباراة. تمر الدقائق ثقيلة، ثم يتحول هدفٌ واحد إلى فرحةٍ تكفي شارعًا كاملًا. تخرج السيارات إلى الطرقات، ترتفع الأعلام، وتتبادل البيوت التهاني وكأنها أسرة واحدة. وحتى في لحظات الخسارة، كان الحزن يبدو مشتركًا، يمر على الجميع بنفس القدر.
الغريب أن هذه المشاعر لا تتغير مهما تقدم بنا العمر. قد يصبح لأحدنا عمل، ولآخر أسرة، ولثالث التزامات لا تنتهي، لكن مباراةً للمنتخب قادرة على أن تعيدنا سنواتٍ إلى الوراء. فجأةً نجد أنفسنا نهتف بالحماس نفسه، ونتابع الكرة بالأعصاب نفسها، ونفرح بالطريقة نفسها التي كنا نفرح بها ونحن أطفال.
افتح هاتفك الآن، أو عد إلى صندوق الصور القديمة في منزلك. ستجد صورةً بقميص فريقك المفضل، أو وأنت تحمل علم مصر، أو تبتسم بعد مباراة لعبتها مع أصدقائك. وربما تجد صورةً في المدرجات، أو أمام شاشة تلفاز أحاط بها أفراد العائلة. كل صورة من هذه الصور تحمل حكاية، وكل حكاية تذكرنا بأن كرة القدم كانت دائمًا جزءًا من طفولتنا، وستظل جزءًا من ذاكرتنا.
ومن منا لا يتذكر مباريات يوم الخميس في الشارع؟ الكرة التي كانت تتوقف كلما مرت سيارة، والخلاف الذي كان ينتهي بعد دقائق لأن الجميع يريد استكمال المباراة، والأحلام التي كانت تبدأ بجملة: “أنا النهارده هبقى الكابتن”. كنا نعود إلى البيت بملابس يغطيها التراب، وبقلوبٍ ممتلئة بالسعادة، وكأننا فزنا بأعظم بطولة في العالم.
ولهذا، عندما نشجع منتخب مصر، لا نشجع اللاعبين وحدهم، بل نستدعي كل تلك الذكريات دفعةً واحدة. نستحضر وجوه الأصدقاء، وضحكات الطفولة، والأيام التي كانت أبسط كثيرًا مما هي عليه الآن. يصبح التشجيع محاولةً جميلة للعودة إلى زمنٍ ما زال يعيش في داخلنا، مهما ابتعد.
وهذه الرسالة خرجت من ذلك الطفل الذي يسكن كل واحدٍ منا. الطفل الذي ما زال يؤمن أن هدفًا واحدًا قادر على إسعاد ملايين القلوب، وأن فرحة المنتخب تستحق أن نعيشها بكل ما فيها من أمل، وحماس، وانتظار.
إلى منتخب مصر
حين تنزلون إلى أرض الملعب، تذكروا أن خلف كل شاشة طفلًا لم يغادر قلب صاحبه أبدًا. قد يكون ذلك الطفل أصبح أبًا، أو أمًا، أو شابًا يحمل هموم الحياة، لكنه يعود صغيرًا مع كل مباراة، ويحلم مع كل هجمة، ويهتف مع كل فرصة، ويتمنى أن يرى علم مصر مرفوعًا كما كان يحلم دائمًا.
ملحوظة: هذه الرسالة مستوحاة من رسالةٍ كتبها طفلٌ صغير بعفويته الصادقة، وقد أضفنا إليها بعض اللمسات، بينما بقيت مشاعرها كما هي صادقة، وبسيطة، ومليئة بحب مصر. ❤️
المقال من كتابة: أحمد وائل