أبرهة الحبشي الحقيقة التي غابت وسط الجدل

قال الكاتب وليد فكري عن أبرهة الحبشي وما يتردد حول هذا الأمر من تساؤلات وأقاويل:

تذكر النقوش اليمنية الملك أبرهة، ويُرجَّح أن اسمه يمثل تحريفًا لاسم “أبراهام”، كما عُرف بلقب “أبو يكسوم”. وقد سجلت هذه النقوش عددًا من أعماله، من أبرزها ترميم سد مأرب، وهو ما يؤكد حضوره التاريخي كشخصية حكمت اليمن في تلك المرحلة.

ولم يكن أبرهة قديسًا بالمعنى الكنسي الرسمي، وإنما كان أحد القادة الفرعيين في الجيش الحبشي الذي احتل اليمن. واستطاع، بفضل علاقاته الجيدة مع زعماء القبائل في منطقة نفوذه، أن يدبر انقلابًا على أرياط، قائد الجيش الحبشي، وعلى الملك الذي نصبه الأحباش لتنفيذ سياساتهم، ثم أعلن نفسه ملكًا على اليمن. وبعد ذلك نال اعتراف نجاشي الحبشة وعدد من القوى الكبرى في عصره، واتخذ اللقب الملكي اليمني القديم: “ملك سبأ وذو ريدان واليمن وحضرموت وتهامة والعرب في الجبال”. وكانت مكانته لدى الأحباش أقرب إلى مكانة البطل، دون أن يبلغ منزلة القديس.

ويشير الكاتب إلى أن حملة أبرهة على مكة ليست الحملة الوحيدة التي قادها، إذ سبق له أن وجَّه عدة حملات نحو الشمال لإحكام السيطرة على المناطق العربية، ومن بينها حملاته على قبيلة كندة وعلى عرب تهامة والحجاز.

أما ما يتعلق بالفيل، فيذكر الكاتب أن امتلاك أبرهة للفيل ثابت في النقوش الأثرية، غير أن استخدامه لا يعني بالضرورة أن الهدف كان هدم الكعبة بواسطة الفيل نفسه. فقد كانت الأفيال في الحروب القديمة تُستخدم لتشتيت صفوف الخصوم أو لحمل الرماة على ظهورها لتكون بمنزلة منصات متحركة لإطلاق السهام. ونظرًا لأن مواجهة جيش أبرهة النظامي للقبائل العربية لم تكن تستدعي مثل هذا السلاح، فإن تفسير استخدام الفيل قد يكون ذا طابع دعائي يهدف إلى إحداث تأثير نفسي، على غرار ما كان يفعله الرومان حين كانوا يجلبون الأفيال والأسود والدببة إلى روما لإظهار الثراء واتساع النفوذ.

ويضيف الكاتب أن أبرهة كان مولعًا بهذا النوع من الدعاية السياسية، حتى إن بناءه لكنيسة القليس (إيجليسيا) يُنظر إليه بوصفه تقليدًا لمشروع الإمبراطور الروماني جستنيان في تشييد كنيسة آيا صوفيا بالقسطنطينية. كما يبدو أن الفيل أصبح أحد رموز الملك لدى أبرهة وأسرته، إذ تذكر الروايات أن ابنه مسروق كان يمتطي فيلًا في بداية معركته الأخيرة أمام حملة سيف بن ذي يزن.

ويرى الكاتب أن وجود الفيل في الجزيرة العربية ليس أمرًا مستحيلًا من الناحية التاريخية، فهناك سابقة معروفة حين نقل القائد القرطاجي حنبعل الأفيال إلى أوروبا، وعبر بها جبال الألب في حملته على إيطاليا. كما أنه ليس من الضروري أن يكون الفيل قد قطع المسافة كاملة من اليمن إلى مكة برًا؛ إذ تذكر المصادر أن أبرهة استقدمه من الحبشة عبر ميناء عادوليس على البحر الأحمر، ومن المحتمل أن يكون قد نُقل بحرًا إلى ميناء ينبع، ثم أكمل الطريق برًا إلى مكة، وهي مسافة أقصر بكثير.

ويختتم الكاتب بالتأكيد على أن تاريخ تلك المرحلة لا يزال مجالًا للاجتهاد العلمي، بسبب قلة المصادر وتنوعها، ولذلك تبقى التحليلات والاستنتاجات مفتوحة، ولا يمكن الجزم بامتلاك الحقيقة التاريخية المطلقة بشأن تفاصيل هذا الحدث، وهو ما يجعل دراسة هذه الفترة قائمة على المقارنة بين الروايات والنقوش والشواهد التاريخية المتاحة.

القائمة

التصنيفات